الشيخ محمد رشيد رضا

530

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيها وجهان ( أحدهما ) أنها للتعليل ، والتقدير وأمرنا بهذا الهدى لأجل ان نسلم قلوبنا ونوجهها لرب العالمين وحده بالاذعان والخضوع لدينه ، والاخلاص في عبادته ، إذ لا يستحق العبادة من العباد الا ربهم الذي خلقهم وغذاهم بنعمه ، ( وثانيهما ) أنها للمصدرية أي وأمرنا بأن نسلم للّه رب العالمين . وقد روي القول بتأويل الفعل بالمصدر هنا وفي مثل يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ - ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ في الدين مِنْ حَرَجٍ الخ عن الخليل وسيبويه ومن تابعهما ، وصرح الكسائي والفراء بأن اللام تكون حرفا مصدريا بعد الفعل من الامر والإرادة خاصة . وهذا الوجه أوجه وأظهر * * * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ أي أمرنا بأن نسلم لرب العالمين ، وبأن أقيموا واتقوه ، أي قيل لنا ذلك ، وقدر بعضهم : أمرنا بالاسلام وبإقامة الصلاة والتقوى ، وإقامة الصلاة الاتيان بها على الوجه الذي شرعت لأجله وهو كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتزكي النفس بمناجاة اللّه وذكره « وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، » ولم يكن شرع عند نزول السورة زكاة ولا صيام ولا حج ، والتقوى اتقاء ما يترتب على مخالفة دين اللّه وشرعه وتنكب سننه في خلقه من ضرر وفساد ، فهي أوسع معنى من تفسيرها بامتثال الامر واجتناب النهي . ( وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أي تجمعون وتساقون إلى لقائه يوم القيامة دون غيره فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها ، وإذا كان الحشر اليه وحده والجزاء بيده وحده ، فمن الجنون ان يعبد غيره ويدعى ، أو يخاف أو يرجى ، * * * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي خلقهما بالامر الثابت المتحقق وهو آياته القائمة بالسنن المطردة ، المشتملة على الحكمة البالغة ، الدالة على وجوده وصفاته الكاملة ، فلم يخلقهما باطلا ولا عبثا ، فإذا ألا يترك الناس سدى ، بل يجزي كل نفس بما تسعى . وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ أي وقوله هو الحق يوم يقول للشيء كن فيكون ، وهو وقت الايجاد والتكوين ، فلا مردّ لامره التكويني ولا تخلف ، فكذلك يجب الاسلام لامره التكليفي بلا حرج في النفس ولا تكلف ، لان الامر حق ولخلق حق ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ويبعث من في القبور ، فإذا كان لغيره ملك